عصيان مدني

غاندي رمز من رموز العصيان المدني اللاعنفي وهو شخصية معروفة في جميع أنحاء العالم في لدعوته إلى نبذ العنف.

العصيان المدني هو أحد الطرق التي ثار بها الناس على القوانين غير العادلة، وقد استخدم في حركات مقاومة سلمية عديدة موثقة؛ في الهند (مثل حملات غاندي من أجل العدالة الاجتماعية وحملاته من أجل استقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية)، وفي جنوب أفريقيا في مقاومة الفصل العنصري، وفي حركة الحقوق المدنية الأمريكية. وبالرغم من اشتراك العصيان المدني مع الإضراب (و خصوصا الإضراب العام) في كونهما وسيلتان تستخدمهما الجماهير للمطالبة برفع ظلم أصابها، إلا أن الإضراب متعلق بحقوق العمال في مواجهة صاحب العمل (والذي يمكن أن يكون هو الحكومة).

تمثلت إحدى أكبر تطبيقات العصيان المدني وأوسعها نطاقا في لجوء المصريين إليه ضد الاحتلال البريطاني في ثورة 1919 السلمية.

العصيان المدني هو رفض الخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة تعد في عين من ينتقدونها ظالمة. وينسب هذا المصطلح للأمريكي هنري دافيد ثورو كان قد استخدمه في بحث له نشر عام 1849، في أعقاب رفضه دفع ضريبة مخصصة لتمويل الحرب ضد المكسيك، بعنوان "مقاومة الحكومة المدنية". وفي أوروبا، حتى وإن كان اللجوء إلى مفهوم العصيان المدني قد تأخر صياغته، فان فكرة مقاومة قانون جائر أو غير عادل كانت موجودة قبل القرن التاسع عشر. أما اليوم فقد اتسع هذا المفهوم ليشمل العديد من الأشخاص الذين يمارسون أفعالا تسعى للإحلال إعلاميا محل " الحركات المناهضة للدعاية". ولا يرى البعض في هذه الأفعال إلا نوعا من الإضرار بالممتلكات. أما البعض الآخر فيجدونها أفعالا مفيدة تهدف إلى تغيير سياسة السلطات.

تعريف العصيان المدني

لا يوجد إجماع حول تعريف العصيان المدني. وقد كان لكل من جون راولز وج. هابرمس تعريف خاص به. فوفقا لما ذكره راولز: يمكن تعريف العصيان المدني على أنه عمل عام، سلمي، يتم بوعي كامل، ولكنه عمل سياسي، يتعارض مع القانون ويطبق في أغلب الأحوال لإحداث تغيير في القانون أو في سياسة الحكومة. وباتخاذ هذا المسلك، يخاطب العصيان حس العدالة لدى غالبية المجتمع ويصرح، وفقا لرأي وتفكير ناضج، بأن مبادئ التعاون الاجتماعي بين أفراد يتمتعون بالحرية والمساواة في الحقوق لا يتم حاليا احترامها. أما بالنسبة لهابرماس: فينطوي العصيان المدني على أعمال غير قانونية، ونظرا لطابعها الجماعي، فهي توصف بأنها عمل عام ورمزي في آن واحد وتتضمن كذلك على مجموعة من المبادئ. إنها أعمال تشتمل في المقام الأول على وسائل للاحتجاج غير عنيفة تنادي بالقدرة على التعقل وتخاطب حس العدالة لدى الشعب". ويتسم فعل العصيان المدني بست خصائص:

خرق واع ومتعمد للقانون

إن فعل العصيان المدني هو خرق واع ومتعمد للقانون. كما أنه انتهاك لقاعدة قانونية وضعية. فإذا كان الانتهاك يقوم على القاعدة محل الخلاف مباشرة، فنحن بصدد الحديث عن عصيان مباشر. وهذا هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لحملة العصيان المدني التي أطلقها مارتن لوثر كينغ والتي كانت تهدف إلى شغل السود للأماكن المخصصة بمقتضى للقانون للبيض. بيد أن القاعدة التي يتم خرقها ربما لا تكون هي تلك محل الخلاف، وحينئذ يكون الحديث عن عصيان مدني غير مباشر، وهو الحال- على سبيل المثال- بالنسبة للاعتصامات التي لا تهدف إلى الاحتجاج على قانون المرور. وعلى الرغم من عدم إمكانية إدراك وجود خرق مسبق (فالقاضي وحده هو الذي يحدد وجود خرق من عدمه)، فإن أي فعل يعد عصيانا مدنيا، عندما يخاطر القائمون عليه بعمل يكون، في نظر الرأي العام ورأي السلطات، خرقا عاما للقانون. وعند التعرض لهذه القضية، يجدر التذكير بالتجربة التي قام بها ستانلي ميلجرام. والتي تمثلت في قياس نسبة الأفراد القادرين على إطلاق مثل هذا العمل الخاص بالعصيان على الرغم من وجود ضغوط اجتماعية وإدارية.

عمل عام

يترجم فعل العصيان بسلوك شعبي وهو ما يميزه عن العصيان الإجرامي حيث يزدهر الأخير في الخفاء (وأحيانا تكون له مطالب).

وتهدف الدعاية في حالة العصيان المدني إلى استبعاد كل شكوك حول " أخلاقيات الفعل "فضلا عن إضفاء قيمة رمزية عليه وإلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الجمهور حتى يكون له الصدى الأكبر في تغيير " شعور" أو قناعة" لدى الرأي العام. لذا، يهدف فعل العصيان إلى القيام بأكبر ترويج إعلامي ممكن وربما يتبع إستراتيجية استفزازية ودعاية سياسية.

وقد يذهب بعض المشاركين إلى أبعد من ذلك. فباعتبارهم ملتزمين بنهج غاندي، فهم يجدون في الدعاية مطلبا ضروريا لإبلاغ السلطات المعنية مسبقا بحركات العصيان المدني المستقبلية.

حركة ذات رسالة جماعية

يندرج فعل العصيان تحت مبدأ الحركة الجماعية. فهو الفعل الصادر عن مجموعة يعرفون أنفسهم بالأقلية الفاعلة، ويترجم بتضافر جهود هؤلاء. لذا تشير "هنا ارندت" إلى أن "العصيان المدني، بعيدا عن انطلاقه من فلسفة ذاتية لبعض الأفراد غريبي الأطوار، إلا أنه ينتج عن تعاون مقصود بين أعضاء مجموعة تستمد قوتها على وجه التحديد من قدرتها على العمل المشترك." وهكذا يكون العصيان المدني بطبيعته عمل جماعي. ومع ذلك، لا مانع من أن تؤدي صحوة أخلاقية لدى فرد إلى تعبئة تيار أكثر اتساعا ربما يمكن وصفه بالعصيان المدني.

حركة سلمية

يلجأ الممارس للعصيان إلى وسائل سلمية، فالعصيان المدني يهدف إلى الدعوة إلى إطلاق حوارات عامة. ولبلوغ هذا الهدف، فهو يخاطب " الضمير الغافل للأغلبية" أكثر مما يدعو إلى أعمال عنف. وهذه إحدى السمات التي تميزه عن الثورة التي من الممكن أن تدعو إلى استخدام القوة لبلوغ غاياتها. ومن ناحية أخرى، فإن فكرة معارضة قانون ما اللصيقة بالعصيان المدني تتم بالالتزام بقانون أسمى، مما يعد نوعا من المفارقة، لذا فلا وجود للعنف في فكر العصيان المدني. فوفقا لماكس وابر: هذا العنف هو منوط بالأحرى بالدولة، التي تمتلك وحدها سلطة " العنف الشرعي". وقد يكون هذا العنف بدنيا و"رمزيا" في آن واحد أي نفسي بل غالبا اقتصادي.

الهدف من العصيان: تعديل قاعدة

يسعى العصيان المدنى - وفقا لمؤسسي فكرته - إلى إدراك غايات مستحدثة. كما يهدف إلى "إلغاء" أو على الأقل تعديل القاعدة محل النزاع.

مبادئ عليا

ينادي القائمون على العصيان المدنى "بمبادئ عليا" تتفوق على الفعل موضع النزاع. وهو دون شك أهم ما يميز العصيان المدنى، إذ أن هذه السمة هي ما تضفى عليه "نوعا من الشرعية". وربما كانت هذه المبادئ العليا مبادئ دينية، لذا كان دائما بعض رجال الدين يشاركون أو يتزعمون حركات للعصيان المدنى. ففى الولايات المتحدة على سبيل المثال، نجد الأخوين بريجان وهما قسيسان الذين تم القبض عليهما عشرات المرات لاشتراكهما في أعمال للعصيان المدنى أثناءاحتجاجات مناهضة للحرب. وقد تكون هذه المبادئ العليا المشار إليها مبادئ "دستورية" أو "فوق دستورية"، ولذلك كانت مرجعية بعض الكتاب والسينمائيين الفرنسيين هي الحريات العامة واحترام الإنسان في أعمالهم التي كانت تنادى بالعصيان المدنى عام 1997 ضد مشروع قانون جون لويس ديبرى والذي كان يفرض على أي إنسان يستضيف أجنبيا في زيارة خاصة لفرنسا إخطار عمدة المدينة بموعد مغادرته. ومن خلال توجيه هذا النداء، يكشف القائمون على العصيان من منظورهم عن وجود إمكانية إرغام الحكام على الاستماع إليهم. وهو ما حدث بالفعل ضد مشروع قانون ديبرى، فبعد الجدل الذي أثير وأمام تعبئة الرأى العام لم تجد الحكومة حينها خيارا آخرا سوى التخلى عن المشروع. إذن، فبخلاف كونه عاملا يضعف المؤسسات، فإن العصيان المدنى - وفقا لمؤسسي فكرته - ربما يؤدى على النقيض إلى تعزيزها عن طريق الحث على فهم أوضح لثوابتها التأسيسية والعمل على حث الرأى العام على المشاركة بشكل متزايد في عملية وضع المعاير.

شرعية العصيان المدنى: النموذج الفرنسي

لا تكتسب مبررات العصيان المدنى أهمية متزايدة عند إدراجه في بعده الأخلاقى فحسب، على الرغم من قبوله بصفة عامة، بل أيضا بوضعه في الإطار القانوني. إلا أن هذا ما يشكل قضية كانت محلا لجدل واسع المدى.

فهل هناك حق في العصيان المدنى؟

إن العصيان المدنى قد يعتبر ضمانا للحريات العامة لا يخضع للسلطة القضائية، ضمانا يمارسه المواطنون أنفسهم. وهو غير معترف به قانونيا بشكل صريح داخل تصنيف المعايير الفرنسية. إلا أن المادة الثانية من إعلان حقوق الإنسان والمواطن تنص على:

«أن الهدف من أى تجمع سياسي هو الحفاظ على حقوق الإنسان الطبيعية والدائمة. وهذه الحقوق هي: الحق في الحرية والحق في التملك والحق في الأمن والحق في مقاومة القمع»

وقد ذهب دستور مونتنرد (الجبل) لعام 1793 إلى أبعد من ذلك حيث وضع في مواده رقم 33 و34 و35 حقا فعليا في الثورة. فالمادة 35 تنص أنه: «عندما تنتهك الحكومة حقوق الشعب، تصبح الثورة بالنسبة للشعب بكل شرائحه أكثر الحقوق قدسية وأكثر الواجبات حتمية». وعلى الرغم من القصر الشديد لديباجة دستور 1958، إلا أنها تشير إلى نصين أساسيين في تاريخ القانون الفرنسي: إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 وديباجة دستور 1946. وقد ظلت قيمة إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 محل النقاش لمدة طويلة، فهل هو مجرد إعلان للنوايا أم معيار لقانون وضعي؟. وتعارض الرأيان حول القيمة القانونية لهذه الديباجة ومرجعية نصوصها. فأحد الرأيين كان يعضض فكرة أن قيمة الديباجة لا يمكن أن تكون سوى قيمة "أخلاقية وفلسفية" (أي دليل اختيارى للدولة)، بينما كان يدافع الرأى الآخر عن طابعها المعيارى والقانوني (أي أنه نصا ملزما ذا قيمة دستورية).

وقد حسم المجلس الدستورى الفرنسى المسألة في قراره الصادر في 16 يوليو 1971 والمتعلق بحرية التجمع: إذ يعتبر هذا الاعلان نصا معياريا ذا قيمة عليا. ومن ثم فإن مرجعية المجلس الدستورى في قراره الصادر في 27 ديسمبر 1974 والمتعلق بقانون المالية لعام 1974، كانت ولأول مرة هي اعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789. ثم أقر المجلس بشكل غير مباشر بالقيمة الدستورية لمقاومة القمع وذلك من خلال القرار الصادر16 يناير 1982 بشأن قانون التأميم: في الواقع أكد المجلس مجددا على القيمة الدستورية لحق الملكية مشيرا إلى أن إعلان 1789 «قد وضعه في المرتبة نفسها للحق في الحرية والأمن ومقاومة القمع».

وهنا يجب أن نتساءل: عن العلاقة بين مقاومة القمع والعصيان المدني. فمقاومة القمع قد تكون لها غايات بعيدة المدى والنص المذكور يعتبرها حقا بل وأيضا» أكثر الواجبات تقديسا «مما يعنى أنها لا تعد وسيلة للعمل فحسب بل هدفا في حد ذاته وأن من يدعو إليها يجب عليه العمل بها "فورا وبقوة شديدة". وهذا يتخطى فكرة العصيان المدني الذي يظل وسيلة للعمل ضمن وسائل أخرى مثل التظاهر وإقامة محاكمات صورية والنضال المسلح، إلخ.

إلا أن التأكيد على هذا الحق يظل إلى حد ما نظريا ولا يستخدم من قبل القضاة أثناء محاكمة أي شخص ارتكب فعل عصيان. وهناك قاعدة أخرى في القانون الفرنسى (مادة 433-6 من القانون الجنائي)، والتي تحمل تفسيرا مخالفا، فتمنح نوعا من الحماية للأشخاص الذين يتمردون ضد الموظفين الحكوميين الذين يقومون بأفعال دون وجه حق (على سبيل المثال، في حالة القيام باعتقالات أو تفتيش دون تصريح مسبق من قبل قاضى الحريات). ومن ناحية أخرى، عندما يتلقى الموظف أمرا غير قانونى بشكل واضح، يكون له حق الاعتراض على هذا الأمر ورفضه بالعصيان وهو المنصوص عليه في (مادة 122-4 من القانون الجنائي).

وبالتالى، تقع مقاومة الظلم بين التأكيد على الحق النظري في المقاومة والاعتراف ضيق الحدود بالحق في العصيان. إذن فمسألة قانونية العصيان المدنى ليست مؤكدة بشكل واضح. فالعصيان هو فعل غير شرعى من حيث المبدأ، ولكن هذا لا يمنع وجود بعض مظاهر "التسامح الإدارى أو الرأفة القضائية ". (يمتلك القاضى العديد من الوسائل القانونية لتبرأة المتهم أو لتخفيف العقوبة: في حالة الضرورة أو شرعية الدفاع عن النفس أو خطأ في الإجراءات القانونية، أو لظروف تستدعي تخفيف العقوبة، أو للتفسير المحدود لسيادة القانون).

وتأتى مشكلة قانونية العصيان المدنى من أنه على الرغم من خرقه المتعمد لسيادة القانون، إلا أن ذلك يحدث بشكل متناقض من خلال الولاء لباقى أحكام القانون (بما في ذلك، على سبيل المثال، الولاء للعقوبة المنصوص عليها في القانون محل النزاع)، إلى جانب الالتزام "بالقوانين العليا ". وبالتالي يمكن تحليل العصيان المدنى على أنه " جنحة سياسية "، وحينئذ سوف يستفيد من يقوم بالعصيان المدنى من نظام الحماية الذي يمكن وضعه لمثل هذا النوع من الجنح.

الانتقادات الموجهة للعصيان المدنى

كتب "د. كوينراد ألست" في خاتمة "رسائل المهاتما غاندى لأدولف هتلر" قائلا: " إن نجاح هذا الأمر ليس مؤكدا ولكن فلسفة غاندى ليست دائما مرادفا للفاعلية. فقد نجحت سياسة غاندي في أن تثنى بريطانيا عن التمسك بالهند، ولكنها لم تنجح في ردع الرابطة الإسلامية عن فكرة تقسيم الهند. ومن هذه الزاوية، فإننا نطرح سؤلا قد لا تكون له إجابة وتجربة جديدة لم تكن محل اختبار، وهي هل كانت سياسة غاندى ستنجح في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية؟ وعلى العكس من ذلك، لا يوجد خلاف على أن هذا الأسلوب في الردع السلمي كان متأثرا بفلسفة غاندي. فما كان المهاتما غاندى ليصبح مهاتما ولو أنه فضل اللجوء لأسلوب آخر. وينبغى أن يكون الحكم المتعلق على رسائل غاندي لهتلر هو ذاته حكمنا على مذهب غاندى نفسه: فإما أن الاثنين يمثلان بديلا أخلاقيا أكثر سموا من الأساليب المعتادة لسياسة القوة وإما أن يكون كلاهما مغلوطا وغريبا.

النقاط التي يرتكز عليها نقد العصيان المدنى:

• إنه ليس سوى نوع من وسائل الاتصال، مجرد وسيلة اتصال. بينما نطاقه يقتصر على:

  • وسائل الاعلام التي قد تختار أو لا تختار متابعة الحدث مع توجيه رسالة قد لا تتماشى بالضرورة مع المعنى الذي ربما يرمى إليه النشطاء.
  • وسائل الاعلام التي قد تدمر أو لا تدمر الصورة التي ربما نرغب في نقلها، وإما ستقلل أو ستسخر من تأثير ما يسمى بالعصيان المدنى.
  • المجتمع والأفكار السائدة بالفعل لدى الشعوب (خلل عقلى واجتماعى واقتصادى)، المتغلغلة داخل النسيج المجتمعى لاسيما بسبب التأثير الملحوظ لوسائل الاعلام التي تعمل لصالح أيديولوجيات (اقتصادية وسياسية ولكن ليست ديمقراطية) تتجاوز حدودها.

• يقول البعض أن ما عمل غاندى نجح لأنه كان يتمتع بواجهة بارزة في المجتمع، واجهة شبه دينية في المجتمع الهندى الذي ربما يعتبر مجتمعا شديد الإيمان وشديد التدين وشديد التصوف (فالدين هو شكل من أشكال الايديولوجيات). ويرى آخرون أن المجتمع الهندى ليس أكثر تدينأ من المجتمعات الأخرى وأن الزعماء الذين يتمتعون بكاريزما يرتبطون نوعا ما بالطابع الريفى للمجتمعات. فقد أثبت الطلاب الجامعيون الهنود الذين تخرجوا في المدارس الثانوية أن الوطنيين كانت صلتهم ضعيفة بعامة الناس فيما عدا غاندى الذي كان يتواصل عبر أعراف شعبية ولهذا كان يتبعه الشعب أكثر من الآخرين. فهذ هي العبقرية الإستراتيجية لغاندى التي لعبت ربما دورا، أكثر تأثيرا من بعض التفسيرات "الدينية" التي لا توضح القضية بل تجعلها أكثر غموضا، طالما من الممكن أن يختلط هذا اللفظ بالنطاق الرمزى الخاص بالمجتمعات البشرية.

• يتخذ غاندى من المسيح نموذجا فهو يريد بالتأكيد أن يكون مخلصا ويفرض السلام الشامل: بكل ما ينتج عن ذلك من حظر للعصيان أو تمرد حقيقي وملموس.

• تحت غطاء التوجه السلمي، ربما كان من الممكن إدراج حركات سلمية أخرى للوصول إلى الهدف المحدد، مستبعدين في الواقع أولئك الذين لا يتفقون مع أفكار العصيان المدنى.

• في رؤية غاندى للعصيان المدنى والمسالمة ما يتعين استنكاره: فعلى الرغم من كل شيء، قد يتعرض العصيان المدنى في بعض الحالات للفشل، وهناك حالات أخرى لا يغير فيها الطغاة أو الطبقات العليا سياساتهم نظرا لتعارض ذلك مع مصلحتهم. وهناك حالات أخرى قد لا ينقاد فيها النظام لمحاولات الخديعة في التواصل على الرغم من كونها وسيلة شديدة الديمقراطية. فلا يحدث أي تغيير في المجتمع دون فعل حقيقى: وهو ما يختلف عن " اللا فعل " الخاص بالعصيان المدنى. وربما كانت أو ستكون هناك ضرورة لإحداث تغيير مجتمعى آخر. إن كلمة عنف بالفرنسية تشتق من اللاتينية “ “ visالتي تعنى في البداية القوة بغض النظر عن شرعية استخدامها.

• هل يعتبر العصيان المدنى خضوعا لملكية رأس المال والليبرالية العليا ؟ إن العصيان المدنى، في جميع الأحوال، يرفض انتقاد مادية العالم والمظالم المادية بشكل كاف في الوقت الذي يطالبنا ألا يكون سلوكنا ماديا. وفي هذه الحالة، ربما يمكننا أن نتساءل ما إذا كان العصيان المدنى دائما أفضل الوسائل الممكنة.

• وفضلا عن ذلك، من المشكوك فيه أن مجرد العصيان المدنى يكفي دون اللجوء إلى تطبيقات أخرى في الحياة (مثل اختيار نمط حياة آخر على شاكلة القرى الصديقة للبيئة أو الأشرام). وربما نتساءل إذا ما كان ذلك يعد مخرجا آخر للا فعل لا يمكن التصريح به وصورة من عدم اندماج الشعوب داخل مجتمعاتها التي تعد، من الناحية النظرية، مجتمعات ديمقراطية ولكنها في النهاية تأبى أن تكون ديمقراطية، وهو أن تندرج الشعوب بما في ذلك عصيانها اللامسؤول داخل عقيدة النوايا الحسنة.

• ربما يستطيع العصيان المدنى أن يكون وسيلة فاعلة في عالم جديد شجاع أو في مجتمع ديمقراطى حقيقى، مجتمع يخلو من الطبقات الاجتماعية. إلا أننا لم نصل حتى الآن إلى هذه المرحلة. فطالما وجدت الطبقات نشأ الصراع الطبقى. ولكن حظر رد الفعل العنيف على الطبقات الدنيا الذي يكون أحيانا سبيلها الوحيد، بسبب ما يقع عليها من عنف هيكلى ومادي وظلم فكري، ربما يعد جريمة.

• وتظل المقاومة المدنية مجرد أداة اتصال يتم الجوء إليها في أي إستراتيجية شعبية.

أصوله الفكرية

نشأة مفهوم العصيان المدني

من العصور القديمة إلى العصر الحديث

بدأ ظهور صور للعصيان المدني منذ نشأة أسطورة أنتيجون التي ضربت فيها البطلة بقوانين المدينة عرض الحائط لتكفل لشقيقها مدفنا لائقا. وفي كوميديا ليسيستراتا لأريستوفانيس، نجد النساء يتمنعن عن أزواجهن لإرغامهم على وضع نهاية للحرب. كما يسجل التاريخ الروماني المظاهرات النسائية في عام 195 ق م. المناهضة للقيود المفروضة على الملابس وكذلك مظاهرات عام 42 ق م. ضد الضرائب الباهظة، مما يدل على أن فكرة مقاومة قانون ما ظالم كانت موجودة بالفعل منذ زمن بعيد. ومن جانبه، كان الدين المسيحي في العصور الوسطى يميز بين دائرة المدنيين ودائرة رجال الدين استنادا لمبدأ السيفين الذي وضعه البابا جلاسيوس الأول في القرن الخامس. كما أنه استنادا إلي المبدأ الإنجيلي الذي ينص على " إعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، عملت الكنيسة على إرساء مبدأ الطاعة بصورة مطلقة، متخذة من مذهب بولس الرسول قاعدة تنص على أنه لا توجد سلطة غير السلطة الإلهية. هذا فضلا عن المبدأ القائل بأن ذراع الله المحاربة أقوى من مثيلتها لدى البشر سواء كانوا ملوكا أو أباطرة، لأنهم لم يصلوا لهذه المكانة إلا بفضل الله. إلا أن القديس توماس الاكويني في "الخلاصة اللاهوتية"، استطاع شق ثغرة في مبدأ الطاعة العمياء للقانون، معلنا قبوله لعصيان قوانين ظالمة (هي أقرب إلي أعمال العنف منها إلي القوانين) ولكن على ألا تتعارض تلك القوانين مع القانون الإلهي وألا يتسبب العصيان في أضرار تفوق العمل به. وفي القرن السادس عشر، قام بعض المفكرين مثل اتيان دو لا بويسي أو مجموعة الموناركوماك (مجموعة فرنسية مناهضة للملك) بوضع نظريات لرفض طاعة الطاغية. هنري ديفيد ثورو، 1856 كانت حركة "استقلال المستعمرات " في مواجهة الحكم المطلق للعاصمة سببا في ظهور أنظمة قانونية جديدة، سبقتها حركات عصيان كانت هي الأساس في إرساء حق الشعوب في تقرير المصير. فقد أتاحت هذه الحركة الاستقلالية وضع الإطار النظري للعصيان المدني بواسطة هنري ديفيد ثورو من خلال بحثه بعنوان "مقاومة الحكومة المدنية " المنشور في عام 1849، بعد رفضه دفع الضريبة المخصصة لتمويل الحرب ضد المكسيك بغية ضم ولاية تكساس، الأمر الذي أرغم بموجبه ثورو على قضاء ليلة في السجن. كان ثورو معارضا أيضا لسياسة الولايات الجنوبية فيما يتعلق بالعبودية، والمعاملة الجائرة التي يخضع لها سكان أمريكا الأصليين. ولقد قام ناشر البحث بإعادة طبعه بعد وفاة ثورو تحت عنوان جديد: " العصيان المدني"، استوحى اسمه من بعض مراسلات المؤلف التي كانت متضمنة بالفعل تلك الكلمة. وقد ترجم عنوان العمل بالعصيان المدني على الرغم من وجود ترجمة أكثر دقة للمصطلح وهو " العصيان المواطني"، إلا أن استخدام مصطلح "العصيان المدني" أصبح فيما بعد شائعا. تولى ثورو الدفاع عن الأقليات، فقد كتب قائلا:" إن الرجل الذي يمتلك رجاحة عقل أكثر من باقي المواطنين يشكل بالفعل "أغلبية الفرد الواحد" وبتشجيع هذا الرجل على العمل، يضيف ثورو،"لن تمتلك الأقلية أي سلطة مادامت تتماشى مع إرادة الأغلبية: وفي هذه الحالة، فإنها لن تصبح حتى أقلية. ولكنها عندما تعارض بكل ما تملكه من قوة، فسيستحيل حينئذ وقفها". وعندئذ، سيصبح العصيان المدني أداة ضد ديكتاتورية الأغلبية التي تجتاح البلاد في ظل الديمقراطية على حد تعبير توكفيل، المفكر الشهير المعاصر لثورو.

كان الكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو (Henry David Thoreau) هو رائد النظرية الحديثة في هذه الممارسة في مقالته المنشورة عام 1849 بعنوان "العصيان المدني" (بالإنجليزية: Civil Disobedience) والتي كان عنوانها الأصلي "مقاومة السلطة المدنية" (بالإنجليزية: Resistance to Civil Government"). وكانت الفكرة الدافعة وراء المقالة هي الاعتماد على الذات وكيف أن الموقف الأخلاقي للفرد يكون سليما إذا كان بوسعه "مفارقة غيره" عند اختلافه معه؛ أي أنه ليس على الفرد محاربة الحكومة، لكن عليه أن لا يدعمها في أي شيء وأن لا يستفيد من دعمها له في أي شيء إن كان معارضا لها. كان لهذه المقالة أثر بالغ في عديد من ممارسي العصيان المدني لاحقا. في هذه المقالة يفسر ثورو أسبابه في رفض دفع الضرائب كفعل احتجاج ضد العبودية وضد الحرب المكسيكية الأمريكية.

كذلك كانت مقالة "منهج العبودية الاختيارية" (بالأوسيتية: Discours de la servitude volontaire) التي وضعها القاضي الفرنسي إتين لابوتي (بالفرنسية: Étienne de La Boétie)، أحد المصادر المبكرة التي دفعت بفكرة أن الطغاة يحوزون القوة لأن الناس يمنحوها لهم، وأن "هجر المجتمع الحرية يتركه فاسدا مفضلا عبودية المحظيات على حرية من يرفض التسلط ويأبى الخضوع". وبهذا فقد ربط لابوتي بين النقيضين التسلط والخضوع وهي العلاقة التي سيؤطرها فيما بعد المفكرون اللاسلطويون (الفوضويون). وبالدعوة إلى حل يتمثل في بساطة في رفض دعم الطاغية فإنه يكون أحد أبكر من دعوا إلى العصيان المدني والمقاومة السلمية. كتب لابوتي المقالة عام 1552 أو 1553 عندما كان لا يزال طالبا في الجامعة في الثانية والعشرين من عمره، وجرى تداولها سرا ولم تطبع حتى 1576 بعد موت لابوتي عام 1563.

المصطلح

لم يصغ ثورو مصطلح "العصيان المدني" ولم يستخدمه أبدا، إلا أنه بعد أن نشرت عام 1849 محاضراته التاريخية لعام 1849 بدأ مصطلح "العصيان المدني" يظهر في عديد من الفعاليات والمحاضرات ذات الصلة بالعبودية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ لذا فحين نشرت محاضرات ثورو تحت عنوان "العصيان المدني" (بالإنجليزية Civil Disobedience) عام 1866 بعد موته بأربع سنوات كان المصطلح قد راج.

تبلیغات